راكان
2007-12-13, 06:03 PM
نجدة فتحي صفوة
أعاد تولي الشيخ غازي الياور رئاسة الجمهورية العراقية الجديدة إلى الأذهان ذكرى شخصية جدة الشهير الشيخ عجيل الياور الذي كان ابرز رؤساء العشائر في العراق، وأكثرهم شعبية وتحضراَ وذكاء.
كان الشيخ عجيل الياور يمارس سلطته العشائرية في منطقة الجزيرة من سنجار إلى منخفض عكركوف، وحتى غربي بغداد، وقد تمكن بذكائه الحاد وشخصيته القوية من تكييف نفسه للظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة التي أعقبت الاحتلال البريطاني للعراق، وبذل جهوداً كبيرة لإسكان أبناء عشيرته وتحضيرهم وتعليمهم الزراعة وإنشاء المشروعات الزراعية فضلاً عن نشاطه الاجتماعي واتصالاته الواسعة برجال السياسة العراقيين والأجانب، حتى أصبحت شخصيته ملء السمع والبصر في العراق، بواديه ومدنه على السواء.
فمن هو عجيل الياور، وما سبب شعبيته وشهرته الواسعة وتردد اسمه في العراق وسوريا وغيرهما من الأقطار العربية على رغم مرور أكثر من نصف قرن على وفاته؟
كان عجيل الياور الرئيس الأعلى"أو شيخ المشايخ" قبيلة شمر التي كانت من اكبر قبائل العراق، وهي قبيلة قحطانية وبيت الرئاسة فيها لأل الجرباء، وهم آل محمد، وقد نزحت هذه القبيلة إلى العراق من نجد بحثاً عن مراع خصبة في سنة 1791 ثم سار شيخها "مطلق" إلى سورية وتوجه إلى الحج مع احمد باشا الجزار وعاد إلى باديه العراق وأصاب نفوذاً عظيماً.
وتاريخ قبيلة شمر في العراق في القرن التاسع عشر طويل وحافل بالوقائع والأحداث، ولما احتلت القوات البريطانية العراق في أواخر الحرب العالمية الأولى، وتوغلت شمالاً اتخذ شيوخ شمر ومنهم عجيل الياور موقفاً معادياً من البريطانيين فانضموا إلى الحركة التي قادها جميل بك النينوي(جميل المدفعي الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق في العهد الملكي مرات عدة" وكان يلقب نفسه " قائد الجيش العراقي الشمالي" وكانت قواته قد تجمعت في تل الفجامي على الخابور، مستهدفة مهاجمة الموصل وإخراج القوات البريطانية منها، ولم تعبأ القوات البريطانية بذلك في بادئ الأمر، وكانت القوات المجاهدة قد تحركت من الفدعمي باتجاه جبل سنجار وسارت على الطريق المؤدية إلى مضارب الشيخ العاصي-شيخ مشايخ قبيلة شمر في ذلك الوقت-وكانت على الحدود التركية قرب نصيبين فلما وصلت تلك القوات إلى مقر الشيخ العاصي مكثت عنده بضعة أيام حضر خلالها شيوخ العشائر المجاورة، فعقد الضباط معهم مؤتمراً بحثوا فيه موضوع الهجوم على تلعفر ومشاركة العشائر في ذلك الهجوم.
أبدى بعض الشيوخ في بادئ الأمر تردداً ولكن الضباط افهموهم أن الحملة سائرة إلى تلعفر والموصل سواء اشتركت معها العشائر أم لا، وهنا نهض بينهم شاب كان يرأس اصغر عشائر شمر في ذلك الوقت، وهو عجيل الياور، وخاطب الشيوخ المترددين بحماسة وآثار نخوتهم قائـلاً:" أن هؤلاء الضباط الذين أتوا يستعينون بكم وضعوا دماءكم على اكفهم، مع العلم أن لكل منهم عائلة واولاداً في العراق وهم مصرون أن يسيروا على الإنكليز، ويحملوا عليهم غير خائفين ولا وجلين، وأنا لا أرى من الشيمة أن نتردد في معاونتهم بل الشيمة تدعو إلى إسعافهم ونجدتهم والقتال في صفوفهم لتخليص البلاد من أيدي الأعداء...".
ومضى قائلا:"أما أنا وعشيرتي فستروننا معهم من الغد، فمن يود الاشتراك معنا فليشترك، أما من لا يريد الاشتراك في هذه الحرب، فهو حر في أمره".
أثرت هذه الكلمات في الشيوخ المترددين، وقوت منهم العزائم، لا سيما أن الشيخ العاصي قد أبدى رغبته ايضاً في تأييد الحركة واشتراك العشائر فيها، وهكذا تم الاتفاق على انضمام عجيل الياور إلى هذه الحركة مع جميع أفراد عشيرته وان يشترك فيها ايضاً الرؤساء الآخرون مع جماعات معينة من عشائرهم.
وعندئذ تحركت القوة الأساسية مع العشائر المنضمة إليها، من مضارب الشيخ العاصي متجهة إلى تلعفر، وكان على راس تلك العشائر الشيخ عجيل الياور، وعدد من شيوخ العشائر الآخرين.
وفي يوم 4 حزيران"يونيو" 1920 دخلت العشائر بلده تلعفر يتبعها الجيش العربي بقيادة جميل المدفعي وقوة كبيرة أخرى من شمر بقيادة عجيل الياور ومعه "بنيان" و"حاجم".
وأخذت الجماعات الغازية بقيادة عجيل الياور وزملائه تترك تلعفر لمهاجمة طريق الموصل، فأنزلت اضراراً كبيرة بالقوافل العسكرية البريطانية ولكن القوات البريطانية تمكنت اخيراً من دحر هذه القوات العربية التي اضطرت إلى العودة إلى دير الزور.
اضطر فشل الجيش العربي في حركته هذه الشعب إلى الوقوف إلى جنب النظام القائم ولكن " جمعية العهد" كانت لا تزال قوية.
فانتشرت الإشاعات عن تجمع قوات جديدة وتأهبها للقيام بالهجوم على الموصل، إلا أن سقوط دمشق بيد الفرنسيين في أواخر تموز"يوليو" وخروج الملك فيصل منها، أنهى دور الحركة وسافر عجيل إلى مضارب شمر في سورية وجنوب تركية.
ولما انتهت هذا الأحداث وقدم الملك فيصل إلى العراق لاعتلاء عرشه، حاول بدهائه أن يكسب تأييد رؤساء العشائر الأقوياء.
وجاء في تقرير للاستخبارات البريطانية أن فيصلاً يحاول تنمية الصداقة مع الشيخ عجيل الياور(الموجود في سورية) لأن رئيساً قوياً مثل عجيل، غير مدين بولاء خاص للبريطانيين، سيكون سنداً قوياً للملك وعرشه الجديد.
وأرسل الملك فيصل الأول رسولاً خاصاً إلى الشيخ عجيل الياور في مضاربه قرب ماردين، فاستجاب الشيخ عجيل وغادر تركية ووصل بغداد في منتصف آب (أغسطس) 1921 بعد غياب سنة واحدة في سورية وتركية، وتوافد وجهاء بغداد وشيوخ العشائر المتنفذون للسلام عليه وحضور المجلس الذي يعقده، حيث بهرتهم شخصيته الجذابة وقصصه المسلية.
وخلف الشيخ عجيل أباه الشيخ عبد العزيز في رئاسة عشائر شمر في سنة 1921 وحل محل منافسه الشيخ دهام في الرئاسة العليا بعد صراع على الرئاسة انتصر فيه عجيل. ومضى دهام إلى الحدود السورية بعد أن عجز أن يحرز لنفسه مركز قوة كما فعل عجيل الياور.
وفي سنة 1924 أجريت في العراق انتخابات المجلس التأسيسي الذي كان سيضطلع بمهمة وضع الدستور العراقي(القانون الأساسي) فانتخب الشيخ عجيل الياور لعضويته نائباً عن لواء الموصل، وحصل على مكانة مرموقة في المجتمع السياسي وأصبح له دور محسوس في الشؤون الوطنية وتمثلت مكانته كشخصية عراقية مهمة حين دعته الحكومة البريطانية في سنة 1937 بصفته الشخصية لحضور احتفالات تتويج الملك جورج السادس والد الملكة الحالية• وبعد انتهاء الاحتفالات عرج الشيخ عجيل على باريس في طريق عودته إلى العراق، فقضى فيها اياماً لمشاهدة معرض باريس الدولي الذي كان منعقداً في تلك الفترة، ويروي الصديق الأستاذ مير بصري الذي كان معاوناً لمندوب العراق في ذلك المعرض، انه رافق الشيخ عجيل خلال إقامته في باريس فوجده رجلاً مهيباً موفور الاحترام، محباً للإطلاع معجباً بالحضارة الغربية، ومستهجناً في الوقت نفسه استهانتها بالأخلاق والعادات الاجتماعية القديمة• وزار الشيخ عجيل بريطانيا مرة اخرى في سنة 1939 قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية بدعوة من حكومتها ايضاً، وربما كان البريطانيون يأملون ان يضمنوا بدعوته ولاء شمر في حال نشوب الحرب مع المانيا، فاهتموا به اهتماماً كبيراً، وخلال وجوده في لندن حضر المناورات العسكرية والبحرية، واجتمع بالخبراء الزراعيين رغبة في تحسين اغنامه وانتاج حبوبه، كما راجع طبيباً متخصصاً في امراض القلب، ويبدو ان اعراض هذا المرض كانت قد بدأت تظهر عليه• كان الشيخ عجيل ممتعاً في حديثه ومجلسه، مهيباً في مظـهره الجسمي، وكان يمتلك على هذا وذاك صفات الزعامة البدوية التقليدية، وقد وصفه مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق قائلاً >شاهدته امرءاً نظيفاً عاقلاً كاملاً، حسن المعاشرة من كل وجه، وقد اتصلت به كثيراً فلم اعثر على ما يمل منه، بل كان هنالك لين الجانب، ودماثة الخلق، وحسن المنطق، وقوة البيان، وصدق اللهجة، ومجمل ما يسعني ان اقوله هو انه جامع لصفات العرب النبيلة< ثم اشار العزاوي الى سمعة اطلاع الشيخ عجيل على شؤون العشائر، لاسيما قبيلة شمر، وعلى الوقائع والاحكام البدوية• كما وصفته غيرترود بل(مسب بيل) في احدى رسائلها الى امها قائلة>انضم الينا في سنة 1917، ثم انجرف الى الاتراك، وعاد الينا مرة اخرى حينما احتللنا الموصل، ثم انجرف مرة اخرى ضدنا، لسبب لم نعرفه قط، وهو طويل القمة يبلغ طوله ست اقدام واربع بوصات، شخصية رائعة، غريبة، وقوية• ليس في جسمه اونس واحد من الشحم الزائد، ويداه نموذجيتان، وتحت كوفية حمراء تتدلى على صدره اربع جدائل غليظة سوداء من الشعر، وله لحية سوداء مشذبة وقصيرة، مع عباءة ذهبية وقميص قطني ابيض، مزرر الى الرقبة والرسغين• عمل الشيخ عجيل بنشاط كبير على اسكان عشيرته وتحضيرها وتعليمها الزراعة باساليب عصرية وبفكر تقدمي نير، واشترى اراض واسعة، وحفر الآبار، وانشأ المشروعات الزراعية في شمال العراق، واستخدم المضخات الألية لتجهيز الماء، وفي مجال آخر عمل بصفة وسيط فجهز حراسة عشائرية للعاملين في انشاء خط السكة الحديد من بيجي الى الموصل، وتولى توفير الامن لشركة استثمار النفط البريطانية، وقد عادت هذه الاعمال والمشروعات على البلد بواردات كبيرة، وكذلك عليه شخصياً• وفي يوم 13 تشرين الثاني(نوفمبر) 1940 كان الشيخ عجيل يقود بنفسه سيارته في الطريق قرب الشرقاط، فاصيب بنوبة قلبية قضت عليه في الحال، وكان في الخامسة والخمسين من عمره فخلفه ابنه الشيخ صفوك (خريج الجامعة الاميركية في بيروت) رئيساً اعلى (او شيخاً لمشايخ) شمر، وتنازل الشيخ صفوك بدوره عن الرئاسة في اواسط الاربعينات لاخيه احمد الذي زاد القوة الاقتصادية والسياسية التي ورثها عن والده، واحتفظت شمر بموقعها كعشيرة عربية متفوقة في منطقة الجزيرة•
أعاد تولي الشيخ غازي الياور رئاسة الجمهورية العراقية الجديدة إلى الأذهان ذكرى شخصية جدة الشهير الشيخ عجيل الياور الذي كان ابرز رؤساء العشائر في العراق، وأكثرهم شعبية وتحضراَ وذكاء.
كان الشيخ عجيل الياور يمارس سلطته العشائرية في منطقة الجزيرة من سنجار إلى منخفض عكركوف، وحتى غربي بغداد، وقد تمكن بذكائه الحاد وشخصيته القوية من تكييف نفسه للظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة التي أعقبت الاحتلال البريطاني للعراق، وبذل جهوداً كبيرة لإسكان أبناء عشيرته وتحضيرهم وتعليمهم الزراعة وإنشاء المشروعات الزراعية فضلاً عن نشاطه الاجتماعي واتصالاته الواسعة برجال السياسة العراقيين والأجانب، حتى أصبحت شخصيته ملء السمع والبصر في العراق، بواديه ومدنه على السواء.
فمن هو عجيل الياور، وما سبب شعبيته وشهرته الواسعة وتردد اسمه في العراق وسوريا وغيرهما من الأقطار العربية على رغم مرور أكثر من نصف قرن على وفاته؟
كان عجيل الياور الرئيس الأعلى"أو شيخ المشايخ" قبيلة شمر التي كانت من اكبر قبائل العراق، وهي قبيلة قحطانية وبيت الرئاسة فيها لأل الجرباء، وهم آل محمد، وقد نزحت هذه القبيلة إلى العراق من نجد بحثاً عن مراع خصبة في سنة 1791 ثم سار شيخها "مطلق" إلى سورية وتوجه إلى الحج مع احمد باشا الجزار وعاد إلى باديه العراق وأصاب نفوذاً عظيماً.
وتاريخ قبيلة شمر في العراق في القرن التاسع عشر طويل وحافل بالوقائع والأحداث، ولما احتلت القوات البريطانية العراق في أواخر الحرب العالمية الأولى، وتوغلت شمالاً اتخذ شيوخ شمر ومنهم عجيل الياور موقفاً معادياً من البريطانيين فانضموا إلى الحركة التي قادها جميل بك النينوي(جميل المدفعي الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق في العهد الملكي مرات عدة" وكان يلقب نفسه " قائد الجيش العراقي الشمالي" وكانت قواته قد تجمعت في تل الفجامي على الخابور، مستهدفة مهاجمة الموصل وإخراج القوات البريطانية منها، ولم تعبأ القوات البريطانية بذلك في بادئ الأمر، وكانت القوات المجاهدة قد تحركت من الفدعمي باتجاه جبل سنجار وسارت على الطريق المؤدية إلى مضارب الشيخ العاصي-شيخ مشايخ قبيلة شمر في ذلك الوقت-وكانت على الحدود التركية قرب نصيبين فلما وصلت تلك القوات إلى مقر الشيخ العاصي مكثت عنده بضعة أيام حضر خلالها شيوخ العشائر المجاورة، فعقد الضباط معهم مؤتمراً بحثوا فيه موضوع الهجوم على تلعفر ومشاركة العشائر في ذلك الهجوم.
أبدى بعض الشيوخ في بادئ الأمر تردداً ولكن الضباط افهموهم أن الحملة سائرة إلى تلعفر والموصل سواء اشتركت معها العشائر أم لا، وهنا نهض بينهم شاب كان يرأس اصغر عشائر شمر في ذلك الوقت، وهو عجيل الياور، وخاطب الشيوخ المترددين بحماسة وآثار نخوتهم قائـلاً:" أن هؤلاء الضباط الذين أتوا يستعينون بكم وضعوا دماءكم على اكفهم، مع العلم أن لكل منهم عائلة واولاداً في العراق وهم مصرون أن يسيروا على الإنكليز، ويحملوا عليهم غير خائفين ولا وجلين، وأنا لا أرى من الشيمة أن نتردد في معاونتهم بل الشيمة تدعو إلى إسعافهم ونجدتهم والقتال في صفوفهم لتخليص البلاد من أيدي الأعداء...".
ومضى قائلا:"أما أنا وعشيرتي فستروننا معهم من الغد، فمن يود الاشتراك معنا فليشترك، أما من لا يريد الاشتراك في هذه الحرب، فهو حر في أمره".
أثرت هذه الكلمات في الشيوخ المترددين، وقوت منهم العزائم، لا سيما أن الشيخ العاصي قد أبدى رغبته ايضاً في تأييد الحركة واشتراك العشائر فيها، وهكذا تم الاتفاق على انضمام عجيل الياور إلى هذه الحركة مع جميع أفراد عشيرته وان يشترك فيها ايضاً الرؤساء الآخرون مع جماعات معينة من عشائرهم.
وعندئذ تحركت القوة الأساسية مع العشائر المنضمة إليها، من مضارب الشيخ العاصي متجهة إلى تلعفر، وكان على راس تلك العشائر الشيخ عجيل الياور، وعدد من شيوخ العشائر الآخرين.
وفي يوم 4 حزيران"يونيو" 1920 دخلت العشائر بلده تلعفر يتبعها الجيش العربي بقيادة جميل المدفعي وقوة كبيرة أخرى من شمر بقيادة عجيل الياور ومعه "بنيان" و"حاجم".
وأخذت الجماعات الغازية بقيادة عجيل الياور وزملائه تترك تلعفر لمهاجمة طريق الموصل، فأنزلت اضراراً كبيرة بالقوافل العسكرية البريطانية ولكن القوات البريطانية تمكنت اخيراً من دحر هذه القوات العربية التي اضطرت إلى العودة إلى دير الزور.
اضطر فشل الجيش العربي في حركته هذه الشعب إلى الوقوف إلى جنب النظام القائم ولكن " جمعية العهد" كانت لا تزال قوية.
فانتشرت الإشاعات عن تجمع قوات جديدة وتأهبها للقيام بالهجوم على الموصل، إلا أن سقوط دمشق بيد الفرنسيين في أواخر تموز"يوليو" وخروج الملك فيصل منها، أنهى دور الحركة وسافر عجيل إلى مضارب شمر في سورية وجنوب تركية.
ولما انتهت هذا الأحداث وقدم الملك فيصل إلى العراق لاعتلاء عرشه، حاول بدهائه أن يكسب تأييد رؤساء العشائر الأقوياء.
وجاء في تقرير للاستخبارات البريطانية أن فيصلاً يحاول تنمية الصداقة مع الشيخ عجيل الياور(الموجود في سورية) لأن رئيساً قوياً مثل عجيل، غير مدين بولاء خاص للبريطانيين، سيكون سنداً قوياً للملك وعرشه الجديد.
وأرسل الملك فيصل الأول رسولاً خاصاً إلى الشيخ عجيل الياور في مضاربه قرب ماردين، فاستجاب الشيخ عجيل وغادر تركية ووصل بغداد في منتصف آب (أغسطس) 1921 بعد غياب سنة واحدة في سورية وتركية، وتوافد وجهاء بغداد وشيوخ العشائر المتنفذون للسلام عليه وحضور المجلس الذي يعقده، حيث بهرتهم شخصيته الجذابة وقصصه المسلية.
وخلف الشيخ عجيل أباه الشيخ عبد العزيز في رئاسة عشائر شمر في سنة 1921 وحل محل منافسه الشيخ دهام في الرئاسة العليا بعد صراع على الرئاسة انتصر فيه عجيل. ومضى دهام إلى الحدود السورية بعد أن عجز أن يحرز لنفسه مركز قوة كما فعل عجيل الياور.
وفي سنة 1924 أجريت في العراق انتخابات المجلس التأسيسي الذي كان سيضطلع بمهمة وضع الدستور العراقي(القانون الأساسي) فانتخب الشيخ عجيل الياور لعضويته نائباً عن لواء الموصل، وحصل على مكانة مرموقة في المجتمع السياسي وأصبح له دور محسوس في الشؤون الوطنية وتمثلت مكانته كشخصية عراقية مهمة حين دعته الحكومة البريطانية في سنة 1937 بصفته الشخصية لحضور احتفالات تتويج الملك جورج السادس والد الملكة الحالية• وبعد انتهاء الاحتفالات عرج الشيخ عجيل على باريس في طريق عودته إلى العراق، فقضى فيها اياماً لمشاهدة معرض باريس الدولي الذي كان منعقداً في تلك الفترة، ويروي الصديق الأستاذ مير بصري الذي كان معاوناً لمندوب العراق في ذلك المعرض، انه رافق الشيخ عجيل خلال إقامته في باريس فوجده رجلاً مهيباً موفور الاحترام، محباً للإطلاع معجباً بالحضارة الغربية، ومستهجناً في الوقت نفسه استهانتها بالأخلاق والعادات الاجتماعية القديمة• وزار الشيخ عجيل بريطانيا مرة اخرى في سنة 1939 قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية بدعوة من حكومتها ايضاً، وربما كان البريطانيون يأملون ان يضمنوا بدعوته ولاء شمر في حال نشوب الحرب مع المانيا، فاهتموا به اهتماماً كبيراً، وخلال وجوده في لندن حضر المناورات العسكرية والبحرية، واجتمع بالخبراء الزراعيين رغبة في تحسين اغنامه وانتاج حبوبه، كما راجع طبيباً متخصصاً في امراض القلب، ويبدو ان اعراض هذا المرض كانت قد بدأت تظهر عليه• كان الشيخ عجيل ممتعاً في حديثه ومجلسه، مهيباً في مظـهره الجسمي، وكان يمتلك على هذا وذاك صفات الزعامة البدوية التقليدية، وقد وصفه مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق قائلاً >شاهدته امرءاً نظيفاً عاقلاً كاملاً، حسن المعاشرة من كل وجه، وقد اتصلت به كثيراً فلم اعثر على ما يمل منه، بل كان هنالك لين الجانب، ودماثة الخلق، وحسن المنطق، وقوة البيان، وصدق اللهجة، ومجمل ما يسعني ان اقوله هو انه جامع لصفات العرب النبيلة< ثم اشار العزاوي الى سمعة اطلاع الشيخ عجيل على شؤون العشائر، لاسيما قبيلة شمر، وعلى الوقائع والاحكام البدوية• كما وصفته غيرترود بل(مسب بيل) في احدى رسائلها الى امها قائلة>انضم الينا في سنة 1917، ثم انجرف الى الاتراك، وعاد الينا مرة اخرى حينما احتللنا الموصل، ثم انجرف مرة اخرى ضدنا، لسبب لم نعرفه قط، وهو طويل القمة يبلغ طوله ست اقدام واربع بوصات، شخصية رائعة، غريبة، وقوية• ليس في جسمه اونس واحد من الشحم الزائد، ويداه نموذجيتان، وتحت كوفية حمراء تتدلى على صدره اربع جدائل غليظة سوداء من الشعر، وله لحية سوداء مشذبة وقصيرة، مع عباءة ذهبية وقميص قطني ابيض، مزرر الى الرقبة والرسغين• عمل الشيخ عجيل بنشاط كبير على اسكان عشيرته وتحضيرها وتعليمها الزراعة باساليب عصرية وبفكر تقدمي نير، واشترى اراض واسعة، وحفر الآبار، وانشأ المشروعات الزراعية في شمال العراق، واستخدم المضخات الألية لتجهيز الماء، وفي مجال آخر عمل بصفة وسيط فجهز حراسة عشائرية للعاملين في انشاء خط السكة الحديد من بيجي الى الموصل، وتولى توفير الامن لشركة استثمار النفط البريطانية، وقد عادت هذه الاعمال والمشروعات على البلد بواردات كبيرة، وكذلك عليه شخصياً• وفي يوم 13 تشرين الثاني(نوفمبر) 1940 كان الشيخ عجيل يقود بنفسه سيارته في الطريق قرب الشرقاط، فاصيب بنوبة قلبية قضت عليه في الحال، وكان في الخامسة والخمسين من عمره فخلفه ابنه الشيخ صفوك (خريج الجامعة الاميركية في بيروت) رئيساً اعلى (او شيخاً لمشايخ) شمر، وتنازل الشيخ صفوك بدوره عن الرئاسة في اواسط الاربعينات لاخيه احمد الذي زاد القوة الاقتصادية والسياسية التي ورثها عن والده، واحتفظت شمر بموقعها كعشيرة عربية متفوقة في منطقة الجزيرة•