يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دعا إلى هدى ؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ؛ لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة ؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه ؛ لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ). ويقول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : ( الدال على الخير كفاعله ).


العودة   ][ موقع قبيلة شمر الرسمي ][WwW.aLlShMr.CoM > ۩ ◊ ملتقى قبيلـة شمّــــــــر العام ◊ ۩ > ۞ قسم الاسرة والمجتمع۞
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2018-07-16, 07:10 AM   رقم المشاركة : 1

 

 

Post أدب التعامل الاسلامي مع الحقود والحسود


التعامل مــع الحقود والحسود


* بين الحقد والحسد
الحسد من نتائج الحقد والحقد وليد الغضب فإن الغضب إذا لم يتم التنفيس عنه وتخيف ضغطه لسبب من الأسباب كُتم في الباطن ليصير حقدا .
وهذا رأي ابن قدامة الذي يقول: " اعلم أن الغيظ إذا كُظم لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن فاحتقن فيه فصار حقداً ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب.
وبناءً على ما سبق فإن معنى الحقد كما يذكر الغزالي " أن يلزم المرء قلبه استثقال المغضوب عليه والبغض له والنفور منه وأن يدوم ذلك ويبقى" ([1])
* أسباب الحسد :
يرى الغزالي أن أسباب الحسد ترجع إلى العداوة والتعزز والكبر والعُجب والخوف من فوت المقاصد المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وأنه أكثر ما يكون بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العم والأقارب لأن كثرة الروابط تولد أسباب الحسد والبغضاء "([2])
- وعن مظاهر الحقد ونتائجه التي تبدو علي المرء :
1) الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عن عدوك فتغتم للنعمة تصيبه وتُسر للمصيبة تنزل به وتُظهر الشماتة بما أصابه من البلاء.
2) أن تهجره وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك .
3) أن تعرض عنه استصغاراً له .
4) أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر .
5) أن تحاكيه استهزاءاً به وسخرية منه .
6) أن تؤذيه بضرب أو شبهه مما يؤلم بدنه .
7) أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة .
قال الغزالي : وكل ذلك حرام وأقل درجات الحقد أن ينتهي الإنسان عن ارتكاب هذه الآفات الثمانية المذكورة ([3]) .
* سمات الحقود والحسود : قد تجتمع صفة أو أكثر من صفات الشخصية الحاسدة في شخص واحد فالإنسان ليس خيّراً تماماً أو شريراً كلية ويبقى باب التوبة لرب العالمين مفتوحا لمن يرى في نفسه شيئا من هذا المرض . أما عن مظاهر الحسد التي قد يبديها الحاسد ويعجز عن كتمانها، وكيف يمكن التصرف إزاءها فهي:
1- يريك المحبة وقلبه ملئ بالحقد عليك .
وفي هذا يقول الشاعر :
وكم مُضْمرٍ بُغضاً يريك محبهَّ وفي الزند نارُوهو في اللمس باردُ ([4])
ويقول آخر:
وذر الحقود ولـوصفا لك مرة وأبعده عـن رؤياك لا يُسْتجلب
إن الحقود وإن تـقـادم عهده فالحقد باقٍ فـي الصدور مُغيَّب
وقال آخر:
إن الحسود إذا أراك مــودة بالقول فهـو لك العدو المجتهد ([5])
2- الحاقدون هم أهل المكر والخديعة :
ويؤكد على هذه الحقيقة الشيخ محمد الغزالي داعياً إلى ضرورة مساندة ضحاياهم الذين قد يقعون فريسة لمكرهم فيقول: " دسائس الحاقدين ومكايدهم ومؤامراتهم لا تنتهي حتى تبدأ وهم يصلون في أحيان كثيرة إلى ما يشتهون من سوءوكم من عبقريات مرغتها في الوحل خصومات خسيسة إن الحال في كل زمان تحتاج إلي أمداد سريعة من المساندة أو العزة لتعيد إلي الموهوبين ثقتهم بأنفسهم وتشجعهم على المضي في طريقهم دون يأس أو إعياء وذلك لكثرة ما يصيبهم من تعويق المثبطين وإيذاء الناقمين والشامتين أجل إنهم في حاجة لأن يقال لهم: لا تأسوا فإن ما تتوجسون من نقد أو تجاهل هو كفاء ما أوتيتم من طاقة ورسوخ " ([6])
- والفارابي وصف الحاقدين والحاسدين أيضا بأنهم أصحاب مكر وخديعة وذلك في موعظته حين صنّف الأعداء صنفين أحدهما كما يقول: "ذوو الأضغان والأحقاد وهم علي مكر وخديعة " ([7])
3- السخرية والتكلم بما لا يحل والشماتة وإفشاء السر ومنع حق المحسود.
وهذه كلها صفات ذكرها الغزالي و قد أشار إلى هذه الصفات السلبية السابقة أيضاً ابن الجوزي حين تساءل أين الأصدقاء ؟ ويقول: أكثرهم حساد على النعم وأعداء لا يسترون زلة ولا يعرفون لجليس حقاً ولا يواسون من مالهم صديقاً ويرجع هذا إلى أن الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئاً يأنس به فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها ليكون أنسه به " ([8])
وقال العلماء الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فيتبع مساوئه ويطلب عثراته قال r :" إذا حسدت فلا تبغ" وفي سورة الفلق أمر الله نبيه أن يتعوذ من جميع الشرور فقال: " {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ }الفلق:2 "وجعل خاتمة ذلك الحسد ، تنبيهاً على عظمه وكثرة ضرره والحاسد عدو نعمة الله ومعترض على منه وعطائه " ([9])
* التحليل النفسي لشخصية الحاسد والحاقد
يتفق التحليل النفسي لشخصية الحاسد في علم النفس الحديث مع آراء علماء الإسلام السابقين في القول بأن الحسد إما مباح أو مذموم أو محرم فالمباح هو المنافسة على طاعة الله وفعل الخير للناس قال تعالى: " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" المطففين: آيه26 ويقول الرسول:r " لاحسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله عز وجل مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله عز وجل علما فهو يعمل به ويعلمه للناس " أما الحسد المحرم فهو وارد في قوله تعالي: " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ" النساء: آية 54 ، والحاسد هنا يهدف سلوكه إلى الرياسة والرفعة وعلو المنزلة وينكرها على غيره ويكره أن يكون تابعاً لأحد أو مؤتمراً بأمره ويتمنى أن يزول عن غيره ما فيه من نعمة وجاه فيتحاسد المتحاسدون بعضهم بعضا بغياً وحقداً وتنشغل عقولهم بأهواء باطلة ويتركوا الحق ويبتعدوا عن الخير حسداً بينهم (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ)التوبة:50
أما الحسد المذموم فيغتم الحاسد عند سماعه الخير ولا يسعده إلا الإضرار بمن يحسده ولا يقتصر على العامة وإنما العلماء والعبّاد أيضا كأن يجزع الحاسد عندما يتولى شخص منصباً أو مرتبة أعلى([10])
فالحسد يوجب البغي كما أخبر الله تعالى عمن قبلنا: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) الجاثية: 45 فلم يكن اختلافهم لعدم العلم ولكن بغى بعضهم على بعض كما يبغي الحاسد على المحسود .. وقد قال r " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " والحسد شر من البخل كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن النبيr "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار " وذلك أن البخيل يمنع نفسه والحسود يكره نعمة الله على عباده . ([11])
وعن السبب النفسي وراء الحسد فيكشف عنه آلان اكسيلرود وجيم هولتج بالقول:" يُعد الحسود أسوأ الزملاء الذين يمكن أن تقابلهم وهؤلاء الحسّاد غالبا ما تنشأ نقمتهم عليك بسبب قلة تقديرهم لذاتهم " الشعور بالنقص " ولهذا يبذلون جم جهدهم للتقليل من شأنك ([12])
v ماذا يفعل الإنسان إذا وجد في نفسه حسداً لغيره ؟ ماذا لو كنت أنت الحاسد أوالحاقد ؟
ينبغي عليك التعامل مع المحسود أو المحقود عليه أو أهل النعمة حينئذ بوسائل منها :
1- التقوى والصبر وعدم الإعانة على ظلمه :
يذكر ابن تيمية أن الحسد لا يخلو منه إلا قلة من الناس ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه وقد قيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن ؟ فقال: ما أنساك أخوة يوسف لا أبا لك ؟ ولكن عمه(اكتمه) في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعدُ به يداً ولساناً ، أي إن الإنسان ما دام لم يأخذه حسده أو حقده على الآخرين إلى الوقوع في معصية الله في التعامل معهم من ارتكاب للمآثم السابق ذكرها بل استعان بالصبر والتقوى معهم فلا بأس وفي هذا يقول: " فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك من نفسه وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون علي المحسود فلا يعينون من ظلمه ولكنهم أيضاً لا يقومون بما يجب ( عليهم ) من حقه بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمه ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك لا معتدون عليه ، جزاؤهم أنهم يُبخسون حقوقهم فلا يُنصفون أيضاً في مواضع ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يُعاقب ومن اتق الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه " ([13]) والتقوى كما يعرفها ابن تيمية هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه ولهذا كانت العاقبة للمتقين " ([14])
وفي زهر الآداب " لو صبر الحاسد على ما به لكان خيراً له لأنه كلما أراد أن يطفيء نور الله أعلاه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " ([15])
2- البشاشة والرفق والدعاء له في غيبته والثناء عليه .
وفي هذا يقول الغزالي " ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته أو الدعاء له والثناء عليه ، والتحريض على بره ومواساته فهذا كله مما ينقص درجتك في الدين وإن كان لايعرضك لعقاب "([16]) أي أن امتناعك عن التعامل معه بهذه الفضائل السابقة لهو بلا شك دليل ضعف دينك وما دمت لم تتعد ذلك إلى الإضرار به قولا، أو فعلا فلن يعاقبك الله تعالى.
3- العفو والصفح أو المعاتبة :
وهو السبيل لدفع الحقد من النفس وكما يقول ابن الجوزي : " الحقد هو بقاء أثر القبيح من المحقود وعلاجه بالعفووالصفح وأن يرى الإنسان الأشياء من المقدر " ([17])
والعفو والصفح هما السبيل للعيش في هناءة وأمن وسلامة مع الآخرين وبدونهما يظل الإنسان في نكد وكمد وغل وكما يقول الشاعر :
يا طالب العيش في أمـن وفي دعة رَغْـدا بـلا قتر صَفْواً بـلا رنق
خلص فؤادك مـن غلٍ ومن حسدٍ فالغِلُّ في القلب مثل الغل في العنق
ولبعض الأدباء ينصح الحسود :
لا يحـزنك فقر إن عـراك ولا تتبع أخاً لك في مـال له حسدا
فـإنه في رخــاء في معيشته وأنت تلقى بـذاك الهم والنكدا ([18])
وآخر يكشف عن أثر الحقد والحسد في نفس الإنسان وأنه لابد من الصفح والعفو أو المعاتبة ليخلص الإنسان من آلامه التي سببها هذا الحقد وثناء الله على العافين من الناس فيقول ابن السروجي:
يا دافن الحقد في ضعفى جوانبه ساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الـحقد داء دويّ لا دواء لـه يري الصدور إذا مـا جمره حرثا
فاستشف منه بصفح أو معاتبة فـإنما يبرئ المصدور مـا نفثـا
فالعفو أقرب للتقوى وإن جرمُ مـن مجرم جرح الأكباد أو فرثـا
يكفيك في العفو أن الله قـرظّه وحيا إلى خير من صلى ومـن بعثا
والعفو من صفات معالي القوم وبواسطته يستطيع الإنسان أن يبدِّل من حال المذنبين والآثمين في حقه
وكما يقول الشاعر:
شهدت أنـك لـو أذنبت ساءك أن تلقى أخـاك حقوداً صدره شرثا
إذن وسرك أن ينسى الـذنوب معـاً وأن تصادف مـنـه جانبا دمثاً
إني إذا خـلـط الأقـوام صـالحهم بسيئ الـفعـل جداً كان أو عبثا
جعلت قـلبي كظـرف السبك حينئذ يستخلص الفضة البيضاء لا الخبثا
ولست أجعلـه كـالحوض أمـزجه بحفظ ما طاب من ماء وما خبثا([19])
* علاج الحسد والحقد عند علماء الإسلام .
- عند ابن قدامة
ينصح ابن قدامة من يقوم بهذا الفعل المشين بأن يكون على وعي بأن:
1- التيقن بأن الحسد لا يضر المحسود وإنما ينفعه وفي هذا يقول ابن قدامة عليك أن تعرف حقيقة أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا وأنه لا يضر المحسود في الدين ولا في الدنيا بل ينتفع به والنعمة لا تزول عن المحسود بحسدك"
ثم يوضح أنه حتى ولو لم يكن الإنسان مؤمناً فإن العقل أن يحذر الإنسان من أن يكون من الحاسدين لما في الحسد من ألم القلب مع عدم النفع فكيف وأنت تعلم ما فيه من العذاب في الآخرة ؟
ثم هو يوضح كيفية انتفاع المحسود في الدنيا والآخرة بقوله:" لأن ما قدره الله له من نعمة لابد أن تدوم إلى أجله الذي قدره ولا ضرر عليه في الآخرة لأنه لا يأثم هو بذلك بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل وأما منفعته في الدنيا فهو أن غرض الإنسان هو أن يغم عدوه ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من الحسد إذ مكنته من نفسك والنتيجة لذلك أن تصبح أيها الحاسد عدوا لنفسك ومن تحسده صديق لعدوك فعليك أن تخمد نار الحسد التي توقدها في قلبك"
وما سبق يمثل العلم النافع الذي يحاول ابن قدامة غرسه في نفس كل من يترك نفسه لداء الحسد وأنه يجب على من لديه عقل أن ينتفع بهذه الحجج الصحيحة في ترك الحسد.
2- أما العمل النافع الذي علي الإنسان القيام به للتخلص من هذا الداء فهو كما يقول أن يتكلف نقيض ما يأمر به الحسد فإذا بعثه على الحقد والقدح في المحسود كلف نفسه المدح له والثناء عليه وإن حمله الكبر ألزم نفسه التواضع له وإن بعثه على كف الإنعام عنه ألزم نفسه زيادة في الإنعام ثم هو يعترف بأن هذه أدوية نافعة للحسد جداً إلا أنها مرة وربما يسهّل شربها أن يعلم أنه إذا كان لا يكون كل ما تريد فأرد ما يكون وهذا هو الدواء الكلي ([20])
- علاج الحسد عند الغزالي :
" ينحصر في تأديب النفس وتبصيرها بخطر هذه الرذيلة فإن الحاسد إنما ينكر في غيره نعمة أنعم الله بها عليه ومن واجب الرجل أن يُشغل بنفسه وأن يحفظ وقته فلا يضيعه فيما لا يغني ولا يفيد فليس أضيع من وقت يُصرف في بغض نعمة لا يملك المرء زوالها عن سواه " ([21])
علاج الحسد عند فخر الدين الرازي :
يذهب فخر الدين الرازي إلى أن الحسد شر من البخل وذلك لأن البخيل لا يحب أن ينال أحد شيئاً مما يملكه والحسود يحب أن لا ينال أحد غيره شيئا مما لا يملكه وأن الحسد داء من أدواء النفس عظيم الأذى لها ولبدنه .
1- فأما أذى الجسد فلأنه يسبب طول السهر وسوء الاغتذاء ورداءة اللون وسوء السحنة أو الهيئة وفساد المزاج .
2- وأما بالنفس فلأنه يذلها ويعذب فكرها ويسبب طول الحزن ويرىأنه يمكن الإقلاع عن الحسد عن طريق أن يتأمل العاقل أحوال الناس في ترقيهم في المراتب ووصوله إلىالطلب ([22])
* علاج الحسد عند صاحب كتاب " نهي الناهين "
هو أبو بكر الرصامي الذي يرى أن علاج الحسد هو معرفة الحسود بأمور منها .
1- أن الحسد من مبطلات الأعمال الصالحة وأن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وأن الحسد يعني حب زوال نعمة الله على العبد وهو من قبيح الخصال .
2- وأن الحاسد لا يستجيب الله دعاءه حيث ذكر أن ثلاثا من الناس لا يستجيب الله دعاءهم : آكل الربا ومكثر الغيبة وحاسد المسلمين .
3- كما أن الحاسد في غم لا ينقطع ومعصية لا يؤجر عليها ومذمة لا يحمد بها وأن يسخط عليه الرب وأن يغلق عليه باب التوفيق .
والعلاج عنده هو سلوك طريق التصوف فبذلك ينقطع الحسد من الباطن بالكلية ([23])
ومفهوم التصوف الذي يعنيه هو اتباع منهج التخلية والتحلية وهي ترويض النفس على التخلي عن الرذائل والعيوب والتحلي بالفضائل .
* علاج الحسد عند الماوردى :
يقول الماوردى فأما ما يستعمله من كان غالبا عليه الحسد وكان طبعه إليه مائلاً لينتفي عنه ويسلم من ضرره وعَدْواه فأمور هي له حسْم إن صادفها عزم منها :
1- اتباع الدين في اجتنابه وإن كان نقل الطباع عسراً لكن بالرياضة والتدريج يسهل منها ما استصعب وإذا عانى تهذيب نفسه تظاهر بالتخلق دون الخُلق ثم بالعادة يصير كالخُلق وكما يقول الشاعر:
فلم أجد الأخلاق إلا تخلقاً ولم أجد الأفضال إلا تفضلا
2- العقل الذي يستقبح به من نتائج الحسد ما لا يرضيه وهذا إنما يصح لدى النفس الأبيَّة والهمة العلية فذوا الهمة يجل عن دناءة الحسد.
3- ومنها مايرى من نفور الناس عنه وبعدهم منه فيخافهم إما على نفسه من عداوة أو على عرضه من ملامة فيتألفهم بمعالجة نفسه ويراهم إن صلحوا أجدى نفعاً وأخلص وداً وكما قال الشاعر :
لا تحسبوني غنياً عن مودتكم إني إليكم وإن أيسرت مفتقر
4- أن يستسلم للمقدور ولا يرى أن يغالب قضاء الله فيرجع مغلوبا ولا أن يعارضه في أمره فيردُّ محروما مسلوباً وقد قال أردشير بن يامل إذا لم يساعدنا القضاء ساعدناه وكما قال محمود الوراق :

قدر الله كائن
قد مضى فيك علمه
وأخو الحزم حزمه
فــــــأرد مــا يــكـون إن

حين يقضي وروده
وانتـــهى مـــــا يـــريـده
لـــيـس مـــمــا يــريــده
لــــــم يــكــن مـا تـريده

ثم يذكر الماورديأنه باستعمال هذه الوسائل يسلم الإنسان من سقامه واستبدل بالنقص فضلاً وصار محموداً لدى الناس لأنه صرف نفسه عن كل مذمة ولائمة وهذا دليل قوة الحزم والعزيمة أما من انقاد للطبع اللئيم وغلب عليه الخلق الذميم حتى أظهر حسده واشتد كمده فإنه يبوء بأربع مذام هي النقيض منها: حسرات الحسد وسخام الجسد وانخفاض المنزلة وقد قيل: الحسود لا يسود ومقت الناس له وإسخاط الله تعالى في معارضته" ([24])
أما السلمي فيقول: إن مداواة النفس من الحسد أن يعلم الحاسد أن الحسد عدو نعمة الله وأن النبي r قال: لاتحاسدوا([25]) وشيمة الحسد من قلة الشفقة علي المسلمين ([26])
ود.عائض القرني يدعو للتخلي عن الحسد عن طريق بيان الأثر السيئ الذي يتركه الحسد على صاحبه كما أنه طعن في دينه فيقول " قيل لا راحة لحسود ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله " ثم يستطرد ذلك بقوله : " إنني أنهي نفسي ونفسك عن الحسد رحمة بي وبك قبل أن ترحم الآخرين لأننا بحسدنا لهم نطعم الهم لحومنا ونسقي الفم دماءنا ونوزع نوم جفوننا على الآخرين إن الحاسد يشعل فرنا ساخنا ثم يقتحم فيه ، التنغيص والكدر والهم الحاضر أمراض يولدها الحسد لتقضي على الراحة والحياة الطيبة الجميلة بُلية الحاسد أنه خاصم القضاء واتهم الباري في العدل وأساء الأدب مع الشرع وخالف صاحب المنهج " ([27])
أما أبو الدرداء فإنه جعل من تذكر الإنسان للموت وتعامله مع الآخرين علاج للحسد بقوله:" من أكثر ذكر الموت قل حسده وبغيه " وكان يقول:" من يتبع نفسه كل ما يرى في الناس يطل حزنه ولا يشف غيظه " ([28])
* علاج الحسد يبدأ مبكرا من مرحلة الطفولة
علاج الحسد يبدأ منذ الصغر بالحكمة والتربية القويمة حتى لا يؤدي إلى نتائج وخيمة ومضاعفات نفسية أليمة فالأسباب التي تؤجج نار الغيرة والحسد في نفوس الأطفال :
1- خوف الطفل من فقدان المحبة والعطف لدى والديه خاصة مع قدوم مولود جديد .
2- المقارنة السيئة بين الأولاد كوصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباوة .
3- الاهتمام بأحد الأولاد دون الآخرين .
4- الإغضاء والتسامح عن ولد محبوب يؤذي ويسئ والترصد بالعقاب لولد آخر تصدر منه أدنى إساءة .
والنتيجة إصابة الطفل بآفة من مركب النقص أو لأنانية أو الحقد فضلا عن إصابته بمضاعفات نفسية كالقلق والتمرد وعدم الثقة بالنفس .
- ولعلاج ظاهرة الحسد عند الطفل ينبغي :
1- إشعارالطفل بالمحبة وهذا ما كان علية الصلاة والسلام يفعله ويأمر أصحابه به .
2- تحقيق العدل بين الأولاد في المعاملة والعطاء والحب .([29])
- كيف تتعامل مع الحاسد أو الحاقد ؟
يمكن إجمال الأسلوب الذي ينبغي التعامل به مع من يتصف بالحسد والحقدبطريقتين :
الأولى: أسلوب المداراة والتي تعني اللين والحكمة في التعامل معه.
الثانية: أسلوب الدفاع عند ظهور ضرره ومكيدته.
فبالنسبة للطريقة الأولى فتشمل الآتي :
1- محاولة بذل الجهد للتقرب منهم وإشعارهم باحترامهم والتقدير لهم وذلك إذا كان التعامل معهم مما ليس منه بد وكما يقول صاحب كتاب 201 طريقة للتعامل مع ذوي الطباع الصعبة: " هؤلاء الحساد يبذلون جم جهدهم في التقليل من شأنك في محاولة منهم للظهور بمظهر جيد فلا تنزلق إلى هذه اللعبة ولتداوم علي التصرف معهم بطريقة متحضرة ولتغير أسلوبك في التعامل معهم بأن تعترف بقدراتهم وتشجعهم على تطوير أنفسهم مهنيا فلن تجني شيئاً من ضمهم إلى خانة الأعداء ولو بذلت جهداً لرفع تقدير شركائك في العمل لأنفسهم فقد تنجح في تعطيل المحرك الأساسي للحسد " ([30])
2- الإنفاق والسخاء والهدايا تطفئ نار الحقد :
وفي هذا يقول ابن قدامة:" كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن شخصاً اغتابهم أهدوا إليه هدية " ([31])
والشيرازي جمع بين الإحسان والصبر في التعامل مع الحساد قائلا:" وعذَّب حسادك بالإحسان إليهم وعود نفسك الصبر على من خانوك من ذوي النصيحة وإن ابتليت من سفيه سفاهة فإياك أن تحتذي مثله وتعارضه بسفه " ([32])
3- التبسم وإظهار السرور عند رؤيته والألفة والرفق في التعامل معه لدفع شرهم عنك وذلك مع الاحتراز منهم وأخذ الحيطة في التعامل معهم وفي هذا يقول الشافعي رضي الله عنه:
إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عـني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنما قـد حشي قلبي محبات
الناس داء دواء الناس قربهم وفي اعتزالهم قطـع المودات ([33])

وفي هذا يقول القاضي التنوخي :
الق العدو بوجه لا قطوب به يكاد يقطر مـن ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقى أعاديه في جسم حقدٍ وثوب من مودات
الرفق يمن وخيرالقول أصدقه وكـثـرة المدح مفتاح العداوات
والماوردي في أدب الدنيا والدين يعدد لنا الفوائد التي يجنيها الإنسان الذي يستعمل الألفة مع حاسديه قائلا " فلأن الإنسان مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن آلفاً مألوفاً تخطفته أيدي حاسديه وتحكمت فيه أهواء أعاديهوامتنع من حاسديه فسلمت نعمته منهم وصفت مدته عنهم وإن كان صفوا الزمان عسراً وسلْمه خَطَراً.... عن النبي r أنه قال : " المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس "([34])
وعن كيفية امتصاص الأحقاد والضغينة من نفوس أصحابها، والألفة هي التي تدفع الإنسان للتعامل بالرفق واللين فيكسب بذلك حب الناس جميعا العدو والصديق وكما يقول د.عائض القرني: " الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه، اللين في الخطاب، البسمة الرائعة على المحيا، الكلمة الطيبة عند اللقاء هي صفات المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتصنع طيبا، وهذه حلل منسوجة يرتديها السعداء الذين لهم دستور أخلاق عنوانه قوله تعالي:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } فصلت: 34 فهم يمتصون الأحقاد بعاطفتهم الجياشة وحلمهم الدافئ وصفحهم البريء يتناسون الإساءة ويحفظون الإحسان تمر بهم الكلمات النابية فلا تلج آذانهم بل تذهب بعيداً هناك إلى غير رجعة هم في راحة والناس منهم في أمن " ([35])
- الطريقة الثانية للتعامل مع من يُخشى ضرره وأذاه من الحاسدين والحاقدين
1- الاستعاذة بالله من الحاقدين والحاسدين :
يقول الشيخ عائض القرني من خاف حاسداً فعليه :
1- بالمعوذات مع الأذكار والدعاء عموماً: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }الفلق:5
2- كتمان أمرك عن الحاسد: {لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ متفرقة}يوسف:67
3- الابتعاد عنه {وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ}الدخان:21
4- الإحسان إليه لكف أذاه:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }المؤمنون:96 ([36])
والشيخ محمد الغزالي يؤكد على ضرورة الاستعانة بالله والتحصين بما ندب إليه الشرع في هذا الصدد قائلا: " هذه الاستعاذة ضرورة فالذين رزقوا من النعم المادية والأدبية ما يغري الآخرين بتنقصهم وسد منافذ الحياة أمامهم أحوج الناس إلى تأييد الله لهم كي يؤدوا رسالتهم ويبرزوا مواهبهم ومع أن أنبياء الله أكبر من أن يفقدوا ثقتهم بأنفسهم أمام سبل التكذيب والاتهام الذي يرميهم به الحاسدون والكافرون فإنهم احتاجوا في كل لحظة إلي معونة الله وتثبيته حتى لا يؤثر فيهم استخفاف أو تحيز قال تعالى:{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ }الروم:60
{وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ }هود38 : 39 ([37]) وكان الرسول r يواظب على قراءة المعوذتين لتكون أسوة لأمته ومنجاة لكثير من الابتلاءات والعداوات التي يسببها هذا الحسد إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها ([38])
2- العقاب إن أظهر حسده قولا أو فعلا
وفي هذا يقول ابن تيمية: "فالحاسد المبغض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالم معتد ..وهذا الحسد إن عمل بموجبه صاحبه ( أظهره قولا وفعلاً ) كان ظالماً معتديا مستحقاً للعقوبة إلا أن يتوب"
- ماذا عن المحسود؟ ما موقفه من الحاسد ؟هنا يقول ابن تيمية " وكان المحسود مظلوماً مأموراً بالصبر والتوقي فيصبرعلى أذى الحاسد ويعفو ويصفح عنه كما قال تعالى:)وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) البقرة:109
ثم ضرب مثلاً عمليا على الحسد من قصة يوسف uوالذي ابتلي بحسد أخوتهحيث قالوا:{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}يوسف:8 وكان مظلوما من جهة من أحبه وهي امرأة العزيز حين دعته للفاحشة فصار بسبب بغض أخوته ملقى في الجب وبسبب الغرض الفاسد لامرأة العزيز محبوسا مسجونا وصبره في هذه الحالة الأخيرة أفضل لأنه اقترن بالتقوى فكان صبرا اختياريا وكان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلوّ البهائم ولهذا قالالتعامل الاسلامي الحقود والحسودإِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف:90 ([39])
وقد ساق لنا الغزالي الحديث القدسي الذي يحث فيه رب العالمين على أن لا نقابل إساءة الآخرين
بمثلها فهذه ليست صفة المؤمنين يقول الله تعالي:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}يونس:57 فلمَ لا تحسنون إلا لمن أحسن إليكم ولا تصلون إلا من وصلكم ولا تكلمون إلا من كلمكم ولا تطعمون إلا من أطعمكم ولا تكرمون إلا من أكرمكم؟ وليس لأحد على أحد فضل إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله الذين يحسنون إلى من أساء إليهم ويصلون من قطعهم ويعفون عمن حرمهم ويأتمنون من خانهم ويكلمون من هجرهم ويكرمون من أهانهم وإني بكم لخبير " ([40])
3- الكتمان والستر .
وفي هذا يقول الماوردي:" اعلم أنه بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له فإن كثر فضله كثر حساده وإن قلَّ قلّوا لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكَمَد ولذلك قال r: " استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود " وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: ما كانت نعمة الله على أحد إلا وجه لها حاسداً ([41])
و الكتمان هو أفضل وسيلة لرد كيد الحاسدين وتدبيرهم الذي يحول دون إتمام الأعمال لأن عداوتهم مستكنة في القلوب ولا يؤمن بطشهم وفي هذا يقول الشاعر:
كـل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد
فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راق إلي الأبـد ([42])
وقد نصح يعقوب يوسف عليهما السلام بكتمان رؤيته عن أخوته لحسدهم له علي تفضيل الأب إياه ولهذا قال يعقوب ليوسف (لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }يوسف:5 ([43])
4- عدم الاكتراث لحسدهم والاستعانة بالله في قضاء الأعمال .
تحت عنوان "بقدر قيمتك يكون النقد الموجه لك" يقول الشيخ محمد الغزالي:
" ما إن تكتمل خصائص العظمة في نفس أو تتكاثر مواهب الله لدى إنسان حتى ترى كل محدود أو منقوص يضيق بما رأى ..ويعيش منغصا لا يريحه إلا زوال النعمة وتحقق الفشل " ويتساءل فماذا يفعل النوابغ والمبرزون ليريحوا هذه الطبائع المنكوسة ؟؟
إذا محاسني اللاتي أدل بـها كانت ذنوبا فقل لي: كيف أعتذر ؟
وقال آخر "مبديا التغافل" واضعا حداً لهذا العراك بين أولي الفضل والمحرومين منه فقال :
إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهموا ومـات أكـثـرنـا غيظا بما يجـد !!
وكما قال شوبنهور " ذوو النفوس الدنيئة يجدون المتعة في البحث عن أخطاء رجل عظيم " ويقول الشاعر العربي في تجاهل السفهاء:
لو أن كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخـر مثقالاً بدينار
ثم نرى الشيخ الجليل يدعو إلى الاستفادة بما يبدوه من نقد قائلاً : لو كان النقاد مدخولي النية سيئيّ القصد فسوء نيتهم عليهم وحدهم وخير لنا أن ننتفع بما أجراه القدر على ألسنتهم من تصويب ومن يدري لعل ذلك الانتفاع يكون أغيظ لنفوسهم المريضة والعاقل يتسمع ما يقوله أعداؤه عنه فإن كان باطلاً أهمله فوراً ولم يأس له وإن كان غير ذلك تروى في طريق الإفادة منه " ([44])
وكما يقول الشاعر كاشفا عن الجانب الحسن في موقف الحاسد من المحسود وأن ما يتعرض له المحسود من أذى لهو دليل على رفعته .
لولا التخوف للعواقب لـم تزل لـلـحاسد النعمى عـلي المحسود
وإذا أراد الله نـشر فـضيلـة طويـت أتـاح لهـا لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كـان يعرف طيب عرف العود ([45])
وفي هذا الصدد يذكر عائض القرني " بأن العاقل الحصيف يجعل الناس عليه لا له فلا يبني موقفاً أو يتخذ قراراً يعتمد فيه على الناس لأن الناس لهم حدود في التضامن والبذل والتضحية ويضرب مثلاً بالحسين رضي الله عنه وكيف لم تنبس الأمة ببنت شفة بل الذين قتلوه يكبرون ويهللون وكذلك محنة الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية ولم يتحرك لمساعدتهم أحد ويسوق الآيات التي تؤكد على ضرورة الاستعانة بالله فقط وعدم اليأس أو الجزع قال تعالي:}وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً }الفرقان:3 {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الأنفال:64
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ }الفرقان:58
{إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً }الجاثية:19

وكما يقول الشاعر:
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان ([46])
ولعل ما يريح قلب الإنسان المجروح من أذى الآخرين أن يعلم أن للحسد من الآخرين حكمة نوه عليها علماؤنا ألا وهي أننا نتعرض لأذى الناس لكي لا نركن إليهم دون الخالق ويؤكد هذا ما ذكره ابن الجوزي حين وصف أصدقاءه بأنهم بعيدين كل البعد عن الإنسان إذا كان في شدة أو ألمت به مصيبة ويعلل لذلك بقوله: " ويرجع هذا إلى أن الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئا يأنس به فهو يكدر عليه الدنيا وأهلها ليكون أنسه به "([47]) وهذا ما يؤكده ابن عطاء في حكمه بقوله: " إنما جرى الأذى عليك منهم كيلا تكون ساكنا إليهم أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه بشيء "([48]) وقال أبو الحسن الشاذلي: " ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ومن أحسن إليك فقد استرقك بإحسانه "
5- البعد عنه والاحتراز منه وأن يكثر الإنسان الشكاية منهم لمن فوقهم
فالحقود إذا كان لا يتورع عن الشر متبجحا به وهناك صنف آخر من الحساد على المرء أن يعدد نعم الله عليه أمامهم ليكشف حقيقتهم وهذا ما أشار إليه الفارابي حين تقسيمه الأعداء إلى صنفين:
أحدهما : ذوو الأضغان والأحقاد وينبغي للمرء أن يحترس منهم كل الاحتراس ويبحث عن أحوالهم ويستطلع أخبارهم بكل ما أمكنه وما اطلع منهم على مكر أو خديعة أو تدبير يدبرونه فليقابلهم بما يناقض تدبيرهم ويكثر الشكاية منهم إلى الرؤساء وأمناء الناس ليعرفوا بعداوته حتى لا تنجح مكايدهم ولا يتفق عليه قولهم فيه وليصيروا متهمين عند الناس في أقوالهم وأفعالهم بما ظهر عند الناس من عداوتهم إياه "
- والصنف الآخر من الأعداء هم الحساد وينبغي للمرء أن يظهر أبداً ما يغيظهم وما يؤذيهم بأن يلقي إليهم ذكر النعم التي يختص بها المرء ليذوّب بها نفوسهم ويحترز مع ذلك من دسيسهم ويحتال لإظهار حسدهم فيه وفي غيره من الناس ليعرفوا بذلك " ([49])
أي أن الفارابي يرى أن العمل على إظهار سوء النية والمكر عن طريق ذكر النعم التي تحدث للإنسان إضافة إلى مراقبتهم وكثرة الشكوى منهم إذا وقع منهم ضرر عليه وهي الوسيلة التي نستطيع
أن نتعرف بها على مكرهم فنحترز منه وحتى يحذره الناس ولا يقعون في شراكه .
كما حث الماوردي إلى البعد عن الحاسد الشرير وأخذ الحيطة في التعامل معه ناقلاً قول عبد الله ابن المعتز: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه طالب ما لا يجده وإذا بلى الإنسان بمن هذه حاله من حساد النعم وأعداء الفضل استعاذ بالله من شره وتوقى مصارع كيده وتحرز من غوائل حسده وأبعد عن ملابسته وإدنائه لعضل دائه وإعواز دوائه فقد قيل: حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها وقال بعض الحكماء: من ضر بطبعه فلا تأنس بقربه وقال محمود الوراق واصفا يأسه في التعامل مع الحسود الذي لا يرضيه أبداً إلا ذلة الإنسان :
أعطيت كل الناس من نفس الـرضا إلا الحسود فـإنـه أعياني
مـا إن لـي ذنـبـاً إليه عـلمته إلا تـظـاهر نعمة الرحمن
وأبـى فـمـا يرضيـه إلا ذلـتي وذهاب أموالي وقطع لساني ([50])
كما يذكر الماوردي حديث الرسول r الذي يشير فيه إلي علاج هذا المرض وأنه قلما أن يخلو منه إنسان حيث قال r " ثلاثة لا يسلم أحد منهن : الطيرة وسوء الظن والحسد فإذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ " ([51])
وأبو العتاهية يشكو إلى الله سوء ما يناله من الناس ملتمساً الحل في العزلة عنهم قائلاً :
أيـارب إن الـنـاس لا ينصفونني وكيف ولـو أنصفتهم ظلمـوني
وإن كـان لي شيء قصدوا لأخذه وإن جـئت أبغي منهم منعـوني
وإن نـالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أنـا لـم أبذل لهم سئموني
وإن طـرقتني نقمة فـرحوا بهـا وإن صحبتني نـعمـة حسـدوني
سأمنع قـلـبي أن يحن إلـيـهم وأحجب عنهم نـاظري و جفوني ([52])
وفي كليلة ودمنة الحكمة التي ساقها لنا ابن المقفع في هذا الشأن خاصة عند التعامل مع الحقود سريع الغضب فيكون إما البعد عنه أو بالرفق واللين قائلا: " إن ذويالرأي قد نهوا عن قرب الموتور فإنه لايزيدك لطف الحقود ولينه وتكرمتُهُ إياك إلاّ وحشةمنه وسوء ظن به فإنك لاتجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق لك من الذعر منه ولا أجود من البعد عنه والاتقاء له أولى...وذو الرأي يتخوف المكر والخديعة والحيل ويعلم أن كثيراً من العدو لا يستطاع بالشدة والمكابرة حتى يصار
بالرفق والملاينة كما يصطاد الفيل الوحشي" ([53])
3- طلب المساعدة من الآخرين إذا حاول وضع العراقيل الهدامة
هذا ما نصح به أحد الكتاب الغربيين قائلا: "هناك من الأفراد من يعمل على عرقلتك وتدمير أنشطتك ووضع حد لإيقاف ما تحاول أنت إنجازه عن طريق قيامهم بالعديد من المحاولات الهدامة وعلى الأرجح إن ما يدفعهم إلى القيام بذلك هو غضب من جانبهم لأن من تقدم بالفكرة الجديدة هو شخص آخر دونهم وحتى نتأكد من إبطال المفعول السام الذي يوجهه هؤلاء الأشخاص نحوك والطريقة التي تمكنك من ذلك هي اشتراك عدد أكثر من الأفراد في مساعدتك ومن أجل تحجيم العوائق والسيطرة عليها بشكل كامل " ([54])

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع


حنا وصلنا الترند بالعز والطيب
ما هو بهـاشتاق التويتر وغيره

شمر سناعيس الفخر والمواجيب
شمر طنايا ..... العز في كل ديره

 

   

رد مع اقتباس
قديم 2018-07-17, 04:02 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
 
الصورة الرمزية رعد االشمال
 

 

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 237
رعد االشمال has a spectacular aura aboutرعد االشمال has a spectacular aura aboutرعد االشمال has a spectacular aura about

 

 

افتراضي رد: أدب التعامل الاسلامي مع الحقود والحسود



الله يعطيك العافيه ابو يوسف على الطرح القيم

الحسد هم تمني زوال النعمه عن الاخرين الحقد هو شحناء في القلب فلا يصفو منه إلا من

رحم الله فيظل الحقد ملازم صاحبه تجاه من يحقد عليه فيكن له الشر ويتصيد له الأخطاءويتمني

له سوء العاقيه أما كيف نمييز الحاقد والحسود كل واحد وشطارته والمواقف في الحياه كفيله

بأن تكشفهم الله يعطيك العافيه ابو يوسف على الطرح القيم تقبل شكرى وتقديرى لجنابك الكريم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع

رعـــــد الشمــال

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd allshmr
جميع الحقوق محفوظة لموقع قبيلة شمر الرسمي * منتديات الطنايا * ولتفعيل اشتراكك اخي العضو عليك بأرسال رسالة نـصية للرقم / 0509909099 موضحا ً الأسم الذي اشتركت به بالمنتدى وفي أقل من 6 ساعات ان شاء الله سوف يتم تفعيل اشتراكك لتتمكن من المشاركة معنا تحياتنا لك وشكرا لأختيارك منتديات الطنايا .... إدارة الموقع